وُلدت هند عباس عمر عام 1989، في مدينة بعقوبة – ناحية الوجيهية، وهي كفيفة البصر نتيجة سببٍ وراثي. غير أن فقدانها لحاسة النظر لم يكن يومًا حاجزًا أمام الحياة، بل كان نقطة الانطلاق لرحلة استثنائية من الصبر والتحدي والإصرار على تحقيق الذات.
واجهت هند منذ طفولتها ظروفًا صحية واجتماعية معقدة حالت دون إكمال مسيرتها التعليمية بالشكل التقليدي. لكن شغفها العميق بالعلم، وإيمانها بحقها في التعليم، دفعاها إلى اختيار طريقٍ أكثر صعوبة: الدراسة الخارجية. بدأت مشوارها من الصف السادس الابتدائي، ثم واصلت إلى الثالث المتوسط، وصولًا إلى السادس الإعدادي – الفرع الأدبي، متحدية الزمن والظروف معًا.
كانت تخوض الامتحانات عامًا بعد عام، إلى أن جرى استثناؤها من شرط الانتظار لمدة ثلاث سنوات بين المراحل، مراعاةً لإعاقتها البصرية وعمرها، في خطوة أنصفت إصرارها الطويل.
اعتمدت هند على نفسها اعتمادًا شبه كامل في التحصيل العلمي، مستخدمة الهاتف المحمول وجهاز الـMP3 لتحميل المواد الدراسية وتسجيلها والاستماع إليها، في وقتٍ كانت فيه الإمكانيات التقنية محدودة، وذاكرة الهواتف لا تكاد تكفي لحفظ أبسط الملفات الصوتية. ومع تطور الوسائل الرقمية، وجدت في اليوتيوب نافذة واسعة للفهم والمراجعة، لا سيما في مرحلتي الثالث المتوسط والسادس الإعدادي، حيث شكّل لها مصدرًا أساسيًا للدراسة الذاتية.
وخلال الامتحانات الوزارية، كانت تخضع لإجراءات خاصة تراعي حالتها، إذ خُصصت لها مدرسة تتولى كتابة الإجابات عنها، مع وجود مراقبتين داخل القاعة، وإرفاق تقرير طبي مع دفتر الامتحان. تجربة لم تكن سهلة، واختزلت الكثير من الصبر والانتظار والضغط النفسي، لكنها تجاوزتها بثبات وإيمان.
حلم هند بسيط في كلماته، عميق في معناه: أن تكون مدرسة لمادة التاريخ، وأن تدرّس الصف السادس الإعدادي فقط. تحب التاريخ بشغف حقيقي، وترى فيه ذاكرة الشعوب، ومرآة الحقيقة، وسجلًّا لا يجوز أن يُنسى. تحلم أن تنقل هذا الشغف يومًا ما إلى طلبتها، وأن تكون مصدر إلهام لهم كما كان العلم مصدر خلاص لها.

إلى جانب دراستها، تمتلك هند اهتمامات وهوايات تثري روحها. فهي شغوفة بالاستماع إلى الراديو، ولا سيما البرامج الدينية والثقافية. ومن هذا الاهتمام، نشأ شغفها بأحكام التلاوة، وهو شغف قديم يسبق دخولها إلى عالم الدراسة وحتى ما قبل انتشار الإنترنت.
لم تكتفِ بالاستماع السلبي، بل بدأت بالمشاركة الفاعلة عبر الاتصالات الهاتفية في فقرات السؤال والجواب مع القنوات الفضائية. ومع تطور وسائل التواصل، انتقلت إلى دور أكثر تأثيرًا، فأصبحت تدير وتشارك بفعالية في مجموعة واتساب تضم قرابة 40 مشتركًا، تقدّم لهم محتوى دينيًا مبسطًا بأسلوب سؤال وجواب، يراعي الفهم السلس وقرب المعلومة من الناس.
ومن فقراتها المفضلة والمميزة: شرح أسماء البنات الواردة في القرآن الكريم، مع ذكر الآية والمعنى، والتنبيه إلى الأسماء غير الجائزة أو المحرّمة، في ظل انتشار تسميات خاطئة تُطلق على الأطفال دون معرفة خلفيتها الدينية.
تحب هند السفر والسياحة، لكنها تردد دائمًا بابتسامة صادقة: “أرجع للعراق… لأن ماكو أحلى من العراق.” انتماء بسيط، لكنه نابع من القلب، ومشبّع بالهوية والحنين.
أما الجرح الأعمق في حياتها، فهو فقدان والدتها. تصف هند رحيل الأم بأنه أقسى ما مرّت به، إذ تدهورت حالتها الصحية والنفسية بشكل كبير بعد الفقد، لكنها رغم الألم، لم تفقد إيمانها، ولا اعتراضها على القضاء والقدر، وتردد دائمًا: “لا اعتراض على حكم رب العالمين.”
اليوم، تعيش هند مع والدها وأخيها وأختها، وتحمل بين تفاصيل حياتها قصة ليست قصة فقدان بصر، بل قصة بصيرة. قصة امرأة صنعت طريقها بالصوت، وبالعلم، وبالإرادة، وبإيمان لا ينكسر.
هند عباس عمر… نموذج إنساني حيّ لقوة الإنسان حين يؤمن بنفسه، وحين يحوّل الإعاقة إلى دافع، والظرف الصعب إلى رسالة حياة، رغم كل شيء.
الصحفية : ازهار العزاوي