
في صباح يوم تخرجها، وقفت مريم حاكم ترتدي عباءة التخرج وتحمل شهادة البكالوريوس في الصيدلة بين يديها. لم تكن تنظر إلى الشهادة بوصفها نهاية سنوات من الدراسة فحسب، بل كانت تستحضر رحلة امتدت منذ طفولتها، رحلة اختلط فيها الألم بالأمل، والخوف بالإصرار، والتحديات بالإنجاز. بالنسبة لها، لم يكن الوصول إلى تلك اللحظة انتصارًا أكاديميًا فقط، بل انتصارًا على سنوات طويلة من التحديات التي رافقت حياتها بسبب قصر القامة.
تبدأ مريم رواية قصتها بالعودة إلى السنوات الأولى من عمرها، حين لم تكن عائلتها تعلم أن حياتها ستأخذ مسارًا مختلفًا عن حياة كثير من الأطفال. فقد وُلدت عام 2000 ولادة طبيعية، ولم يلاحظ والداها في البداية أي مؤشرات تدعو إلى القلق. لكن بعد مرور سبعة أشهر، بدأت تظهر تغيرات في نموها؛ إذ ازداد حجم رأسها بصورة واضحة، بينما كان نمو جسدها أبطأ من المعدلات الطبيعية.
ومع بلوغها عامها الأول، كانت قدرتها على الحركة محدودة، ولم تتمكن من المشي أو الاعتماد على نفسها كما يفعل الأطفال في العمر ذاته. لم تتردد عائلتها في البحث عن تفسير لما يحدث، فبدأت رحلة طويلة من مراجعة الأطباء وإجراء الفحوصات الطبية، واستمرت المتابعة والعلاج حتى عام 2006، في محاولة لفهم حالتها الصحية واختيار أفضل السبل للتعامل معها.
وخلال تلك السنوات، طُرحت أمام الأسرة خيارات علاجية متعددة، كان من بينها علاجات تهدف إلى تحفيز النمو وزيادة الطول. إلا أن رحلة البحث عن العلاج قادت مريم وعائلتها إلى قناعة مختلفة؛ وهي أن اختلافها الجسدي ليس أمرًا ينتقص من قيمتها، بل حقيقة ينبغي التعايش معها بإيمان وثقة، وأن الإنسان لا يُقاس بطوله أو شكله، وإنما بما يحمله من علم وإرادة وقدرة على صناعة أثر في حياة الآخرين. لكن التحديات الحقيقية لم تبدأ في المستشفى أو داخل عيادات الأطباء، بل بدأت مع أول خطوة خطتها نحو المدرسة.
فمع دخولها الصفوف الدراسية، وجدت نفسها في مواجهة مجتمع صغير لم يكن جميع أفراده قادرين على تقبل الاختلاف. كان قصر قامتها واضحًا مقارنة بزميلاتها وزملائها، وأصبحت محط أنظار كثيرين، لتبدأ رحلة أخرى أكثر قسوة من المرض نفسه؛ رحلة مواجهة التنمر، والتعليقات الجارحة، ونظرات الاستغراب التي كثيرًا ما كانت تسبق الكلمات.
وتستذكر مريم أن أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرتها لم تكن كلمات السخرية فحسب، بل تصرفات بعض الأشخاص الذين كانوا يلفتون انتباه أطفالهم إليها أو يشيرون نحوها وكأنها حالة تستحق الاستغراب. بالنسبة لطفلة في سنواتها الأولى، لم تكن تلك المواقف عابرة، بل كانت تترك جروحًا صامتة يصعب التعبير عنها.
كانت تعود إلى منزلها حاملة مشاعر مختلطة من الحزن والأسئلة، لكنها كانت تختار الصمت. لم تكن تريد أن تضيف إلى قلق أسرتها همًا جديدًا، فكانت تخفي ألمها خلف ابتسامة هادئة، وتقاوم مشاعرها وحدها، مؤمنة بأن الأيام لا بد أن تحمل شيئًا أفضل.
ورغم قسوة تلك المرحلة، لم تسمح مريم للتجارب المؤلمة بأن تصنع منها شخصية منكسرة. ومع مرور الوقت، بدأت تدرك أن الاختلاف ليس عيبًا يجب إخفاؤه، بل جزء من هويتها الإنسانية. تعلمت أن الصبر ليس استسلامًا، بل قدرة على مواصلة الطريق، وأن احترام الإنسان يبدأ من احترامه لنفسه، مهما اختلف عن الآخرين.
حين أصبح العلم طريقًا لإثبات الذات

لم تكن السنوات الأولى من الدراسة مجرد مرحلة لتلقي العلوم، بل كانت بالنسبة لمريم مدرسة أخرى تعلمت فيها الصبر، ومواجهة الأحكام المسبقة، والبحث عن القوة في داخلها. فمع كل يوم دراسي، كانت تكتشف أن التحديات التي يفرضها المجتمع قد تكون أشد قسوة من التحديات الصحية نفسها.
ورغم ما واجهته من مواقف مؤلمة، رفضت أن تسمح لها بأن تُضعف طموحها أو تُفقدها شغفها بالتعلم. كانت تؤمن أن التعليم هو الطريق الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه منها، وأن المعرفة قادرة على منح الإنسان المكانة التي يستحقها، مهما كانت الظروف التي يمر بها.
ومع انتقالها إلى المرحلة المتوسطة، بدأت ملامح حياتها تتغير تدريجيًا. فقد وجدت معلمين وزميلات تعاملوا معها بوصفها طالبة تمتلك الطموح والقدرة، لا فتاة مختلفة في مظهرها. وكان لهذا القبول أثر بالغ في إعادة بناء ثقتها بنفسها، بعدما أمضت سنوات طويلة تحاول التكيف مع نظرات الآخرين وتعليقاتهم.
تقول مريم إن تلك المرحلة كانت نقطة تحول في حياتها، لأنها أدركت للمرة الأولى أن المجتمع لا يحمل دائمًا الصورة ذاتها، وأن هناك من يرى الإنسان بعلمه وأخلاقه، لا بملامحه أو قامته. هذا الإدراك منحها دافعًا أكبر للاستمرار، ورسّخ لديها قناعة بأن الطريق إلى النجاح يبدأ بالإيمان بالنفس.
ولم تكن تنظر إلى اختلافها بوصفه عائقًا، بل بدأت تتعامل معه كجزء من تجربتها الإنسانية. كانت تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى منحها العقل والقدرة على الفهم والتعلم، وأن كل تجربة تمر بها، مهما كانت قاسية، تحمل درسًا يساعدها على النضج واكتشاف ذاتها. كانت تقول لنفسها إن لكل تعب معنى، ولكل خطوة هدف، وإن الإنسان لا يختار ظروف ولادته، لكنه يختار الطريقة التي يواجه بها الحياة.
بهذه القناعة، واصلت مريم مسيرتها التعليمية حتى حققت حلمًا طالما سعت إليه، وهو الالتحاق بكلية الصيدلة. لم يكن ذلك مجرد قبول جامعي، بل كان ثمرة سنوات من الاجتهاد والإصرار، ورسالة شخصية تؤكد أن العقبات لا تمنع الوصول إلى الأحلام عندما يقترن الطموح بالعمل. وتصف مريم يوم دخولها الجامعة بأنه أحد أكثر الأيام رسوخًا في ذاكرتها. فعندما وقفت أمام بوابة الكلية للمرة الأولى، شعرت بأن صفحة جديدة من حياتها قد بدأت، وأن الأبواب التي بدت يومًا بعيدة أصبحت اليوم مفتوحة أمامها.
ومع دخولها الحياة الجامعية، انتقلت إلى بيئة أكثر تنوعًا واتساعًا. وهناك، لم تكتسب المعرفة الأكاديمية فحسب، بل تعرفت إلى أشخاص أصبح بعضهم من أقرب الداعمين لها. وجدت فيهم الصداقة الحقيقية، والتشجيع، والاحترام، وهو ما أسهم في تعزيز ثقتها بنفسها، ومنحها مساحة لتكون كما هي، دون خوف أو تردد.
لكن الجامعة لم تكن خالية من التحديات. ففي بداية هذه المرحلة، كانت مريم لا تزال تحمل شيئًا من رهبة الظهور أمام الآخرين. كانت تتردد في التقاط الصور أو المشاركة في بعض الأنشطة، متأثرة بما عاشته خلال سنوات الطفولة من مواقف تركت أثرًا في داخلها. إلا أنها قررت أن تواجه تلك المخاوف بدلًا من الهروب منها، فبدأت تشارك تدريجيًا في الحياة الجامعية، حتى أصبحت أكثر قدرة على التعبير عن نفسها، وأكثر ثقة بحضورها بين الآخرين.
وخلال سنوات الدراسة، واجهت مريم، شأنها شأن ملايين الطلبة حول العالم، ظروف جائحة كورونا التي فرضت تحديات غير مسبوقة على العملية التعليمية. وبين القلق، والتعليم الإلكتروني، وصعوبة متابعة الدراسة، كان عليها أن تبذل جهدًا مضاعفًا للحفاظ على مستواها الأكاديمي.
ورغم تلك الظروف، لم تفكر يومًا في التراجع. كانت تؤمن أن كل أزمة تحمل فرصة للتعلم، وأن الصعوبات ليست نهاية الطريق، بل اختبارًا لقدرة الإنسان على الاستمرار. وبفضل هذا الإيمان، واصلت دراستها حتى اجتازت تلك المرحلة بنجاح، مقتنعة بأن الإرادة الحقيقية تظهر عندما تصبح الظروف أكثر تعقيدًا.
ومع مرور السنوات، اقتربت من اللحظة التي حلمت بها طويلًا. وفي يوم التخرج، لم تكن تحمل شهادة البكالوريوس في الصيدلة فحسب، بل كانت تحمل معها قصة سنوات من الصبر، والعمل، والإصرار. وعندما ارتدت عباءة التخرج، شعرت أن كل دمعة أخفتها في طفولتها، وكل موقف تجاوزته بصمت، وكل تحدٍ واجهته بإيمان، قد تحول في تلك اللحظة إلى إنجاز حقيقي تستحق أن تفخر به.

الدعم العائلي… القوة التي صنعت الفارق…
رغم التحديات التي واجهتها منذ طفولتي، لم أكن وحدي في هذه الرحلة. فقد كانت أسرتي مصدر القوة والأمان الذي منحني القدرة على الاستمرار، وكانت والدتي السند الأكبر في حياتي. آمنت بقدراتي منذ البداية، ورفضت أن تكون إعاقتي سببًا لتقييد طموحي، فكانت تشجعني في كل خطوة، وتزرع في داخلي الثقة بالنفس والإصرار على مواصلة التعليم وتحقيق أحلامي، حتى في أصعب اللحظات.
كما كان لوالدي دور مهم في دعمي والوقوف إلى جانبي، إلى جانب أخواتي وإخوتي الذين أحاطوني بالمحبة والتشجيع، وكانوا شركاء في كل نجاح حققته. ولم يقتصر هذا الدعم على الأسرة المباشرة، بل امتد ليشمل زوجة والدي، التي تعاملت معي بروح الأم ووفرت لي بيئة يسودها الاحترام والاحتواء، مما كان له أثر كبير في استقراري النفسي واستمرار مسيرتي.
لقد أدركت من خلال تجربتي أن الأسرة الداعمة ليست مجرد سند عاطفي، بل هي الركيزة الأساسية التي تمنح الإنسان القوة لتجاوز العقبات، وتحول التحديات إلى دافع للنجاح. وما حققته اليوم هو ثمرة ذلك الإيمان والدعم الذي أحاطتني به عائلتي في كل مراحل حياتي.
سوق العمل… حين اصطدمت الأحلام بالتمييز
لم يكن التخرج نهاية رحلة مريم، بل كان بداية لاختبار جديد، أكثر ارتباطًا بالواقع. فبعد سنوات من الدراسة والاجتهاد، بدأت مرحلة التدريب العملي، التي شكلت أول احتكاك مباشر لها ببيئة العمل. وهناك، لم تكتسب الخبرة المهنية فحسب، بل اكتشفت أن المعرفة التي حصلت عليها داخل قاعات الدراسة تحتاج إلى ممارسة يومية، وأن الصيدلة ليست مهنة تعتمد على المعلومات وحدها، بل على الدقة، والمسؤولية، والتواصل مع الناس.
تصف مريم تلك المرحلة بأنها كانت نقطة تحول في حياتها؛ فقد أعادت خلالها ترتيب أولوياتها، وبدأت تنظر إلى مستقبلها المهني بثقة أكبر، وهي تؤمن بأن سنوات التعب التي عاشتها لا بد أن تثمر فرصة تستحقها.
لكن الطريق نحو الوظيفة لم يكن بالسهولة التي تخيلتها. فبعد انتهاء فترة التدريب، بدأت رحلة البحث عن عمل، حاملة معها شهادة جامعية، وخبرة أولية، وطموحًا كبيرًا. إلا أن الواقع كشف لها تحديًا جديدًا لم يكن مرتبطًا بمستواها العلمي أو مهاراتها المهنية، بل بالصورة النمطية التي ما تزال ترافق بعض الأشخاص من قصار القامة.
تقدمت مريم إلى عدد من الصيدليات أملاً في الحصول على فرصة تثبت من خلالها كفاءتها، لكنها قوبلت بالرفض في ست صيدليات متتالية. كان الرفض مؤلمًا، ليس لأنه حرمها من وظيفة فحسب، بل لأنه جعلها تشعر أن البعض يصدر أحكامه قبل أن يمنحها فرصة لإثبات قدراتها.
ورغم قسوة تلك التجربة، لم تسمح للإحباط أن يتسلل إلى قلبها. كانت تؤمن أن الكفاءة لا تُقاس بالمظهر، وأن الإنسان لا ينبغي أن يتوقف عند أول باب يُغلق في وجهه، لأن أبوابًا أخرى قد تُفتح بإصراره واجتهاده.
واصلت البحث، وقدمت طلباتها بثقة، حتى جاءت الفرصة التي انتظرتها طويلًا، عندما حصلت على وظيفة في إحدى الصيدليات. هناك، بدأت مرحلة جديدة من حياتها المهنية، وأثبتت من خلال التزامها وأدائها أن النجاح لا تصنعه الهيئة الجسدية، وإنما يصنعه العلم، والإخلاص، والقدرة على تحمل المسؤولية. تقول مريم إن تلك الفرصة لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت رسالة عملية تؤكد أن منح الأشخاص الفرصة العادلة هو الطريق الحقيقي لاكتشاف قدراتهم.
النجاح لا يتوقف عند وظيفة
لم تكتفِ مريم بالعمل، بل واصلت الاستثمار في تطوير نفسها، مؤمنة بأن التعلم عملية مستمرة لا تنتهي بالحصول على الشهادة الجامعية. شاركت في مؤتمرات علمية، وورش تدريبية، ولقاءات مهنية، حرصت من خلالها على توسيع معارفها واكتساب خبرات جديدة، كما تلقت عروض عمل وفرصًا وظيفية من أكثر من جامعة، وهو ما اعتبرته ثمرة طبيعية لاجتهادها وإيمانها بأن النجاح يحتاج إلى تطوير دائم. وترى أن كل تجربة خاضتها، سواء كانت ناجحة أو صعبة، أضافت إلى شخصيتها شيئًا جديدًا، وجعلتها أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة ونضج.
رسالة تتجاوز حدود التجربة الشخصية
لا تنظر مريم إلى قصتها بوصفها إنجازًا فرديًا فحسب، بل تعتبرها رسالة موجهة إلى المجتمع، وإلى كل شخص يواجه تحديات بسبب اختلافه أو إعاقته. وتؤكد أن الأشخاص من قصار القامة، شأنهم شأن بقية الأشخاص ذوي الإعاقة، يمتلكون الطاقات والقدرات والطموحات نفسها، لكنهم يحتاجون إلى فرص عادلة وبيئات أكثر شمولًا، تُقيم الإنسان على أساس كفاءته، لا على أساس مظهره الجسدي. وترى أن التحدي الأكبر لا يكمن في الإعاقة ذاتها، وإنما في الصور النمطية التي قد تحرم كثيرين من فرص يستحقونها، سواء في التعليم أو العمل أو المشاركة المجتمعية.
قصة لم تنتهِ بعد
اليوم، تنظر مريم إلى حياتها بعين مختلفة. لم تعد تستذكر سنوات الطفولة بوصفها مرحلة من الألم فقط، بل بوصفها الأساس الذي بنى شخصيتها، وعلمها معنى الصبر، والإصرار، والاعتماد على الذات.
وتؤمن أن كل تجربة مرت بها، مهما كانت صعبة، كانت سببًا في نضجها، وأن كل باب أُغلق في وجهها قادها إلى باب آخر أكثر اتساعًا. وتختتم مريم حديثها برسالة لكل من يواجه تحديات في حياته:
“لا تجعلوا اختلافكم سببًا للتراجع، ولا تسمحوا لأحكام الآخرين أن تحدد قيمة أحلامكم. قد يكون الطريق أطول بالنسبة لبعضنا، لكنه ليس مستحيلًا. بالإيمان بالله، والعمل، والصبر، والإصرار، يستطيع الإنسان أن يصنع مستقبله بنفسه.”
قصة مريم حاكم ليست مجرد رحلة شابة عراقية من قصار القامة حصلت على شهادة في الصيدلة، بل هي شهادة حية على أن الإرادة قادرة على هزيمة الخوف، وأن التعليم يفتح أبوابًا قد تبدو مستحيلة، وأن المجتمع يصبح أكثر قوة وعدالة عندما يمنح الجميع فرصة متساوية لإثبات قدراتهم.

وربما لهذا السبب، فإن قصة مريم لا تنتهي عند شهادة جامعية أو وظيفة، بل تبدأ من كل إنسان يقرأ تجربتها ويؤمن أن الاختلاف ليس نهاية الحلم، بل قد يكون بدايته الحقيقية.
الصحفية : ازهار العزاوي