في صباح يوم 28 نيسان 2007.. وبينما كانت الطفلة هاجر شاكر، المولودة عام 2005. تلعب مع أبناء عمومتها وأطفال الحي في حديقة منزلها بمحافظة بغداد، سقطت ثلاث قذائف هاون على المكان، لتتحول لحظات الطفولة البريئة إلى واحدة من أقسى المآسي الإنسانية التي خلفتها سنوات العنف في العراق.
كانت هاجر آنذاك بعمر سنة وتسعة أشهر فقط، لكن جسدها الصغير استقبل أكثر من 14 شظية مزقت أجزاء مختلفة منه، حتى وصف الأطباء إصابتها وكأن شخصاً “نثر الرمل” على جسدها من كثرة الشظايا المنتشرة فيه. إلا أن أخطر تلك الإصابات كانت شظية اخترقت منطقة البطن وخرجت من الظهر بعد أن قطعت الحبل الشوكي وألحقت ضرراً دائماً بالأعصاب، ما تسبب بشلل الأطراف السفلى وإعاقة حركية لازمتها طوال حياتها.
رحلة النجاة من الموت
بعد الحادثة، تنقلت هاجر بين العديد من المستشفيات، إلا أن حالتها الحرجة دفعت بعض المؤسسات الصحية إلى رفض استقبالها، فيما اعتقد آخرون أنها لن تنجو من الموت بسبب شدة إصاباتها. ومع ذلك، تمسكت عائلتها بالأمل وخاضت معركة طويلة لإنقاذ حياتها.
أجريت لها ثلاث عمليات جراحية كبرى، اثنتان في منطقة البطن وواحدة في الظهر، قبل أن تواجه مضاعفات إضافية تمثلت بانسداد الأمعاء، ما أستدعى تدخلاً جراحياً جديداً وهي ما تزال طفلة صغيرة.
لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فمع مرور السنوات بدأت تظهر مضاعفات الإصابة تباعاً، شملت الكليتين والمثانة والحالب والأمعاء والجلد والعظام والعضلات، فضلاً عن الضمور العضلي والتشنجات العصبية المستمرة. وأصبحت المراجعات الطبية والعلاجات والأدوية جزءاً ثابتاً من حياتها اليومية.

عائلة صنعت المستحيل
تؤكد هاجر أن الفضل الأكبر في أستمرارها بالحياة يعود إلى والديها وعائلتها التي لم تتخلَّ عنها في أصعب الظروف. فعندما حان موعد دخولها المدرسة، واجهت رفضاً من العديد من المدارس بسبب إعاقتها الحركية وعدم تهيئة الأبنية التعليمية لاستقبال الطلبة ذوي الإعاقة. إلا أن والدها رفض الاستسلام،
وقام على نفقته الخاصة بإنشاء منحدرات (رامبات) داخل المدرسة لتسهيل حركتها، كما صنع لها مقعداً دراسياً خاصاً يناسب احتياجاتها.
كانت تلك الخطوات البسيطة كفيلة بفتح أبواب التعليم أمام طفلة قررت أن تتحدى كل الظروف.
التفوق رغم المرض
رغم العمليات الجراحية المتكررة والمضاعفات الصحية المستمرة، واصلت هاجر دراستها بتفوق ملحوظ. كانت من الطلبة الأوائل خلال سنوات الدراسة، وحصلت في الصف الخامس العلمي على معدل 97%. وفي المرحلة الإعدادية واجهت تحديات صحية إضافية تمثلت بالتقرحات الجلدية الشديدة ومضاعفات الجهاز البولي، لكنها أصرت على أداء الامتحانات وإكمال مسيرتها التعليمية، لتتخرج من السادس العلمي بمعدل 80.28%.
صدمة الجامعة والتمييز .. بعد إعلان نتائج القبول المركزي، تم قبول هاجر في قسم هندسة الإنتاج والمعادن في الجامعة التكنولوجية، وهو التخصص الذي طالما حلمت به لشغفها بالرياضيات والفيزياء.إلا أن الحلم اصطدم بواقع عدم تهيئة الأبنية الجامعية للطلبة ذوي الإعاقة. فبسبب السلالم وعدم وجود المصاعد أو وسائل الوصول المناسبة، تم رفض مباشرتها في القسم. وبعد سلسلة من المخاطبات وإعادة الترشيح، واجهت الموقف ذاته في أكثر من جامعة حكومية.كان الأمر صادماً بالنسبة لها، ليس بسبب الدراسة نفسها، بل بسبب الحواجز البيئية التي حرمتها من حقها في اختيار التخصص الذي تحبه.
الجامعة الأمريكية… بداية جديدة
بعد رحلة طويلة من الإحباط، وجدت هاجر فرصة مختلفة في الجامعة الأمريكية في بغداد، حيث لاقت ترحيباً ودعماً حقيقياً وبيئة تعليمية مهيأة.تقدمت إلى قسمي هندسة الذكاء الاصطناعي وهندسة النفط، وحصلت على المركز الأول في المنافسة بين المتقدمين، قبل أن تختار دراسة هندسة الذكاء الاصطناعي، التخصص الذي ينسجم مع طموحاتها ورؤيتها للمستقبل.وتصف هاجر الجامعة بأنها أعادت إليها الأمل، بفضل الدعم الأكاديمي والإنساني الذي وفرته لها، سواء من خلال تهيئة البيئة التعليمية أو تقديم التسهيلات التي يحتاجها الطلبة ذوو الإعاقة.
بين الشعر والكتب والرماية
بعيداً عن الدراسة، تمتلك هاجر مواهب وهوايات متعددة. فهي تكتب الشعر وتسعى إلى تطوير هذه الموهبة، كما تعمل على تأليف كتاب تأمل أن يرى النور خلال السنوات المقبلة. كما مارست رياضة الرماية بالقوس والسهم، وتطمح إلى توسيع معارفها اللغوية بعد أن أصبحت تتحدث العربية والإنجليزية، وتخطط لتعلم لغات أخرى مستقبلاً. لا أريد رجلي بالدنيا.. أريد جناحات بالآخرة”. خلال رحلتها العلاجية، أخبرها أحد الأطباء أن فرص استعادة المشي قد تتطلب سنوات طويلة من العلاج ونسبة نجاح محدودة للغاية. عندها اتخذت هاجر قرارها بقناعة وإيمان.
تقول:
“قلت لوالدي: أنا ما أريد رجلي بالدنيا، أريد جناحات بالآخرة.”
لم يكن ذلك استسلاماً، بل تعبيراً عن حالة من الرضا والقوة الداخلية التي جعلتها تحول الألم إلى دافع للنجاح.

رسالة أمل
قصة هاجر شاكر ليست مجرد قصة نجاة من حادثة مأساوية، بل هي قصة إنسانة واجهت الإعاقة والمرض والتمييز والعوائق البيئية، لكنها لم تسمح لأي منها بأن يمنعها من الحلم أو التعلم أو النجاح. إنها نموذج ملهم للإرادة والصبر والإصرار، ورسالة واضحة تؤكد أن النجاح لا يقاس بسلامة الجسد، بل بقوة الروح وقدرة الإنسان على النهوض بعد كل سقوط. واليوم، تواصل هاجر رحلتها في كلية هندسة الذكاء الاصطناعي، مؤمنة بأن المستقبل ما زال يحمل الكثير من الفرص، وأن كل تحدٍّ يمكن أن يتحول إلى خطوة جديدة نحو النجاح.
الصحفية : ازهار العزاوي